ابن الجوزي

317

صيد الخاطر

تستر الظاهر على ما سبق من تسليط الأعداء على الأولياء ، وإذا ثبت التجلي بأدلة لا تحتمل التأويل ، علمت أن لهذا الخفاء سرا لا نعلمه يفترض على العقل فيه التسليم للحكيم فمن سلّم سلم ، ومن اعترض هلك . 275 - الاجتهاد قد يدعي أهل مذهب الاجتهاد في طلب الصواب وأكثرهم لا يقصد الا الحق . فترى الراهب يتعبد ويتجوّع ، واليهودي يذل ويؤدي الجزية ، وصاحب كل مذهب يبالغ فيه ويحتمل الضيم والأذى طلبا للهدى ، وتحصيل الاجر ، ومع هذا فيقطع بضلال الأكثرين . وهذا قد يشكل ، وانما كشفه أنه ينبغي أن يطلب الهدى بأسبابه ، ويستعمل الاجتهاد بالإبانة ، فأما من فاتته الأسباب ، أو فقد بعض الآلات فلا يقال له مجتهد . فاليهود والنصارى بين عالم عرف صدق نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ثم يمسك لرئاسته « 1 » فهذا معاند ، وبين مقلد لا ينظر فهذا مهمل ، فهو يتعبد مع اهمال الأصل ، وهذا لا ينفع . وبين ناظر منهم حق النظر ، فيقول : في التوراة أن ديننا لا ينسخ . وهو على غير ثقة أن هذا غير معقول ولا مدخل فيها « 2 » . ويقول بالنسخ ذاك لا ينظر في الفرق ، فينبغي أن ينظر حق النظر . ومن هذا الجنس تعبد الخوارج مع اقناعهم بعلمهم القاصر ، وهو قولهم : « لا حكم الا للّه » ولم يفهموا ان التحكيم من حكم اللّه ، فجعلوا قتال عليّ رضي اللّه عنه وقتله مبينا على ظنهم الفاسد . ولما نهب مسلم بن عقبة المدينة وقتل الخلق قال : ان دخلت النار بعد هذا انني لشقيّ . فظن بجهله انهم لما خالفوا بيعة يزيد يجوز استباحتهم وقتلهم . فالويل لعامي قليل العلم لا يتهم نفسه في واقعة ، ولا يذاكر من هو أعلم منه ، بل يقطع بظنه ويقدم . وهذا أصل ينبغي تأمله ، فقد هلك في اهماله خلق لا يحصى وقد رأينا خلقا من العوام إذا وقع لهم واقعة لم يقبلوا فتوى « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً » .

--> ( 1 ) أي يمسك عن الايمان حفظا للرئاسة . ( 2 ) كذا .